يحيي بن حمزة العلوي اليمني

26

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

التراخي ، وحيث صار إلى الأطوار التي يتلو بعضها بعضا على جهة المبالغة عطف العلقة على النطفة بثم ، لما بينهما من التراخي ، ثم عطف المضغة على العلقة بالفاء لما لم يكن هناك تراخ ، ثم عطف خلق العظام من عقيب كونه مضغة بالفاء من غير مهلة ولا تلبّث ، ثم عطف فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً بالفاء من غير تراخ ، ثم تسويته إنسانا بعد خلق العظام بثم ، إشارة إلى التراخي ، ثم قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ المؤمنون : 19 ] عطفه بالفاء دلالة على أن كل عاقل خرق قرطاس سمعه نظم هذه الآية وتأليفها فإنه يقضى العجب على الفور من غير تلبّث ، وينطق باللفظ الدال على الزيادة في الحكمة والدخول في الإتقان ، ومن ثم قال « 1 » غير واحد من البلغاء وأهل الفصاحة عند سماع هذه الآية ، تبارك الله أحسن الخالقين . لأجل ما يقع في النفوس من بديع النظام وحسن التأليف فيها . ويتعلق بما نحن فيه تنبيهات ثلاثة : التنبيه الأول هو أن من حق الجمل إذا ترادفت وتكرر بعضها في إثر بعض فلا بد فيها من ربط الواو لتكون متسقة منتظمة ، كما أن الجمل إذا وقعت موقع الصلة ، أو الصفة ، فلا بد لها من ضمير رابط يعود منها إلى صاحبها ، فلهذا تقول : زيد قائم ، وعمرو منطلق ، فلا تجد بدّا من الواو ، وكما لا تجد بدّا من الضمير في نحو قولك : هذا الذي قام وخرج ، من أجل الربط كما ذكرناه ، وهذا الصنيع مستمر ، اللهم إلا أن تكون الجملتان بينهما امتزاج معنوي ، وتكون الثانية موضحة للأولى مبينة لها كأنهما أفرغا في قالب واحد ، فإذا كانت بهذه الصفة فإنها تأتى من غير واو ، وهذا كقوله تعالى : ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 1 - 2 ] فإنه من غير واو لما كان موضحا لقوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ ؛ لأن كل ما كان من القرآن فهو لا ريب فيه ولا شك ، ثم قال : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] فإنه موضح لقوله : لا رَيْبَ فِيهِ لأن كل ما كان لا يرتاب في حاله ، ولا يقع فيه

--> ( 1 ) روى ذلك عن بعض الصحابة وفيه تنبيه وترغيب لقارئ وسامع هذه الآية أن يتجاوب معها ويردد : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 19 ] .